• ١ نيسان/أبريل ٢٠٢٦ | ١٣ شوال ١٤٤٧ هـ
البلاغ

خط الفلاح من حياة الإنسان

خط الفلاح من حياة الإنسان

من المفاهيم التي أراد الله أن يؤكدها في وجدان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في خط الدعوة والحركة وفي وجدان كلّ المسلمين الذين اتبعوه، مفهوم الاستقامة، الذي أراد الله وله ولكلمة التوحيد أن يلخصا كلّ الإسلام وكلّ الدعوة، بحيث تكون الدعوة منطلقة من قاعدة التوحيد ثمّ الامتداد في خط الاستقامة، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) (فصّلت/ 30).

الله سبحانه وتعالى جعل قاعدة الرسالات كلّها (رَبُّنَا اللَّهُ). فلقد جاء الأنبياء بهذه الكلمة وفرّعوا عليها مما أراد الله لهم أن يفرعوا، فإن تنطلق من أنّ الله ربّك وحده لابدّ أن تعيش معنى الربوبية في ذاته، وحركتها في ذاتك، فالربوبية في ذات معناها أنّه هو الذي أعطى كلّ شيء وجوده وحركته وكلّ عناصر الحيوية فيه وكلّ امتدادات الحياة له، وأنّه أعطاه ذلك ورعاه وربّاه وأراد له أن يعيش معه وأن يتحسس هذه المعيشة مع الله، أما في وعي العبد الربوبية لله، فإنّ ذلك يتمثل في إحساس العبد العبودية لله، والعبودية هنا ليست خطاً قانونياً كما تعارف الناس أن يضيفوا عبداً إلى سيده، ولكنها عبودية تنطلق من معنى الخلق في العبد، فنحن عبيد الله لأنّ ذاتنا هي ذات العبودية ولأنّ الله هو الخالق فهو المالك، فملكية الله لنا هي سرّ وجودنا، فنحن لا نملك الوجود المستقل بل نحن نملك الوجود الظل. ومن هنا فإنّ معنى أن يكون الله ربّك أن تكون أنت عبده، وأن تكون أنت عبده أن تسير في الخط الذي يجسد هذه العبودية، أن لا تتحسس من عبوديتك أمام الله، أن لا يخطر في بالك أن تعطي فكرك الحرّية التي ينفصل بها فكرك عن الله، وأن تعطي قلبك الحرّية التي تبتعد فيها عاطفتك عن الله، وأن تعطي حركتك الحرّية التي تذهب بعيداً طاعة الله فيما أمر وفيما نهى. أنت عبد في دائرة الله وعبوديتك هي سرّ حريتك أمام الكون وأمام الناس، فأنت توحّد الله لتوحيد عبوديتك له، ثمّ لتنطلق في كلّ الساحات لتشعر أنّك حرٌّ في فكرك أمام فكر الآخرين.

عندما تكون القضية خصوصية فكرك وأنت حرّ أمام الآخرين، بحيث تقول ربّي الله، فلا معنى لأن تكون لك شريعةٌ غير شريعته، وأن تقول ربي الله فلا معنى لأن يكون لك أولياء غير أوليائه، أو يكون لك أعداء غير اعدائه، لأنّك لا تملك استقلالك في العاطفة أمام ما يريده الله لك في حركة العاطفة في وجدانك. وهكذا فإن تؤيد هنا أو ترفض شخصاً، خطاً، نهجاً، موقعاً هناك..

أن تَسْتَفتي رأيك قبل أن تعطي الموقف تأييداً، وأن يكون الذي تؤيده ممن يرضى الله عنه شخصاً، فكراً، نهجاً، موقفاً واقعاً وأن ترفض مثل ذلك إن كان ممن لا يرضى الله عنه. وإذا أردت أن تعرف نفسك فإنّ أهل البيت يقولون فيما يُروى عنهم (عليهم السلام) إذا أردت أن تعرف نفسك فانظر قلبك كان قلبك يُوالي أولياء الله ويعادي أعداء الله ففيك خير والله يحبّك لأنّك فتحت قلبك فجعلته بين يدي الله وإن كان قلبك يوالي أعداء الله ويعادي أولياءه فليس فيك خير والله يبغضك، والمرء مع مَن أحب فإذا أحببت الله أحببت مَن يُحب، وإذا أحببت الله أبغضت مَن يُبغض. تلك هي المعادلة العاطفية والحركية فيما هو الموقف والموقع. ربّنا الله ثمّ انطلق أمامك، ولا تلتفت يميناً ولا شمالاً ربّنا الله تحدد لك الطريق، وربّنا الله تحدد لك الهدف، وربّنا الله تصنع لك الجو، وربّنا الله تحرك لك الأسلوب، وربّنا الله هي كلّ حياتك (ثُمَّ اسْتَقَامُوا). والله سبحانه وتعالى يقول: (وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) (يس/ 61). هذا القرآن وهذا الإسلام هو الصراط المستقيم الذي تمتثلون فيه إلى الله قبل صلاتكم (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة/ 6).

والله يقول لكم: إنّكم تطلبون هدايتي لكم إلى الصراط المستقيم (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) (الأنعام/ 153). ولذلك قال الله لرسوله (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ) (الشورى/ 15). لدعوتك ولا يضلك الآخرون، لا يضغطوا عليك باغراءاتهم تارة وبترهيباتهم أخرى، لا يندفعوا إلى نقاط ضعفك ليثيروها حتى يسقطوا موقفك (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ) (الإسراء/ 73-74). بالعصمة والنبوّة والقوّة الروحية التي تملكها (لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا) (الإسراء/ 74). وهذه هي طبيعة الضعف البشري عندما يندفع إليه الآخرون ليضغطوا عليه، ولكن الأنبياء كانوا يملكون قوة الروح وقوة الفكر وقوة الموقف (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ) (التوبة/ 40).

يقول الله تعالى وهو يخاطب رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما أرسله للنَّاس كافة بشيراً ونذيراً، ليحدِّد له الخطَّ الذي يسير عليه في الدعوة وفي الحركة، وفي كل مواقفه في الحرب والسلم، وفي كل علاقته بالناس كافّةً، يقول سبحانه له: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} (الشّورى/15)، ادعُ إلى الله واستقم في خطِّ الدعوة، عرّف النَّاس أساس دعوتك، وهو التوحيد الذي تلتقي عنده كلُّ العقائد وكلُّ الشرائع وكلُّ المفاهيم، استقم لتكون النهاية مرتبطة بالبداية، فلا تتجه، وأنت في خط الدعوة إلى الله، يميناً ولا يساراً، لا تأخذك في الله لومة لائم: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (الكهف/29)، لا يخدعنّك النّاس عن رسالتك، ولا تتحرَّك على أساس ترهيبهم وترغيبهم لك.

 

مقاومة الإغراءات:

وقد سار النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) على هذا الخطّ، واستقطب الكثير من الناس إلى دعوته، فشعرت قريش بخطر ذلك، ورأت أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ربما كان يحاول أن يحصل على موقع مالي أو اجتماعي رئاسي، أو يريد أن يحصل على الحياة بكل لذّاتها وشهواتها، لأنه لم يكن قد تزوّج آنذاك، فجاءوا إلى عمه أبي طالب وقالوا له: إعرض على ابن أخيك، إن كان يريد مالاً فهذه أموالنا بين يديه، وإن كان يريد ملكاً سوّدناه علينا - جعلناه سيّدنا - وإن كان يريد متاعاً فنحن نزوّجه أجمل نسائنا، فقال له النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الكلمة المشهورة: «والله يا عمّ، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أهلك دونه»، لأن الله تعالى قال له: {وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ}، كن مستقيماً في خطك ولا تسقط تحت تأثير كل الإغراءات.

وفي آية أخرى يحدّثنا الله تعالى عن هذه الإغراءات: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ـ حتى تأتي بكلام يتفق مع الشرك ومع عبادة الأصنام ـ وَإِذاً ـ إذا قبلت ووافقت ـ لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً* وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ ـ بالرسالة وبالعصمة ـ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ـ لأنّ إغراءاتهم بلغت من القوة بحيث لا يستطيع الإنسان في نقاط ضعفه البشريّة أن يواجهها أو يتماسك أمامها ـ إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} (الإسراء/73-75) وثبت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).

ثم عرضوا على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الصلح: «نعبد إلهك سنة وتعبد ألهتنا سنة»، فأنزل الله سبحانه عليه: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ* لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ* وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ* وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ* وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ* لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} (الكافرون). وكان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يكرر عليهم ذلك في أكثر من موقع، عندما كان يقول لهم: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي* فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ} (الزّمر:14-15). فالله دعاه إلى الاستقامة: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ـ على خطِّ الإسلام، في قولك وفي عملك ـ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ـ من أسلم معك وتاب عن الشرك ـ وَلا تَطْغَوْا ـ لا تتجاوزوا الحدود لتسيروا في خطٍّ يختلف عن الخط الإسلامي ـ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (هود/112)، ويقال إنّه عندما نزلت هذه الآية على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال مخاطباً أصحابه: «شمّروا، شمّروا»، شمّروا عن سواعدكم، لأنَّ الله أراد لنا أن نحافظ على خطِّ الاستقامة، ثم قال الراوي: «فما رؤي ضاحكاً». وقد سأل بعض أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أمر يعتصم به، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «قل ربي الله ثم استقم»، أن تنطلق من التوحيد ثم تستقيم على هذا الخط.

 

أفضل السّعادة استقامة الدّين:

وقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «قلت يا رسول الله أوصني؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): قل ربي الله ثم استقم، قلت: ربي الله وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، قال: ليهنئك العلم يا أبا الحسن، لقد شربت العلم شرباً ونهلته نهلاً».

وقد جاءت الآيات الكريمة لتقول: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (الأحقاف/13)، ويقول الله سبحانه في آية أخرى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ ـ عندما يأتيهم الموت ـ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ* نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ* نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ}(فصِّلت/30-32). ويستحضر الإمام عليّ (عليه السلام) هذه الآية، ويحاول أن يوجّه النداء بقوله: «العمل العمل - يستنهضنا من أجل أن نتحمّل مسؤولية العمل الذي أراد الله لنا أن نقوم به - ثمّ النهاية النهاية - حدّقوا بالنهايات؛ هل تقبلون على جنة النعيم أم على نار الجحيم، لا تفكّر في يومك فقط، بل فكّر في النهاية لأنها هي الأساس، قد يكون الإنسان ضاحكاً في البداية ثم يتحوّل إلى باكٍ - والاستقامة الاستقامة، ألا وإنَّ القدر السابق قد وقع، والقضاء الماضي قد تورّد، وإني لمتكلم بعدّة الله وحجّته، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ} (فصِّلت/30)، وقد قلتم ربنا الله ـ لأنكم مسلمون وتعلنون التوحيد - فاستقيموا على كتابه ـ والاستقامة هي أن يقرأ الإنسان كتاب الله، وأن يلتزم بكل ما فيه، فالله مثلاً حرّم الكذب وأراد للإنسان الصدق، فعليه أن يلتزم بالصدق ويترك الكذب، والله حرّم الخيانة وأمر بالأمانة، فعلى الإنسان أن يترك الخيانة في كلِّ مواقعها، والله حرّم الزنى وأمر بالعفة، وأراد سبحانه للإنسان الإحسان إلى الوالدين وحرّم العقوق، فعليه أن يستقيم على كتاب الله، وهكذا في كل ما أمر الله به ونهى عنه. اعملوا بكل ما جاء به الكتاب من واجبات، واتركوا ما نهى عنه من المحرّمات ـ وعلى منهاج أمره، وعلى الطريقة الصالحة من عبادته وطاعته».

 

الاستقامة سلامة وفلاح:

وهذا ما توحي به كلُّ هذه الآيات الكريمة: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}، أنت تعتقد أن الله ربُّك ولا ربّ لك غيره، ما معنى ذلك؟ معناه أن لا تنظر إلى أيّ وجود غير وجود الله في أيّ شيء تريد أن تعمله، أو أيّ خطٍّ تريد أن تسلكه. ليكن أوَّل تفكيرك هل يرضى الله بذلك أو لا يرضى؟ لا تفكّر بعاطفتك بل بإيمانك، وهذا يتحرك في الأمور الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، خصوصاً تلك التي تتصل بقضايا الأمّة المصيرية، لأن هناك الكثيرين من الأشخاص الذين يرفعهم الناس إلى مستوى القيادة والمسؤولية قد يفسدون في الأرض. لذلك عليك أن تربي عظمة الله في نفسك، بحيث لا تفكر إلاّ بالله تعالى؛ في بيتك وفي مواقع عملك، وفي علاقاتك بكل الناس ومعاملاتك معهم.

وفي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لو صلّيتم حتى تكونوا كالحنايا، وصمتم حتى تكونوا كالأوتار، ثم كان الإثنان أحبّ إليكم من الواحد، لم تبلغوا الاستقامة»، ويقول عليّ (عليه السلام): «أفضل السعادة استقامة الدين»، وعن عليّ (عليه السلام): «من استقام فإلى الجنة، ومن زلّ فإلى النار، والاستقامة سلامة»، ويقول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «استقيموا تفلحوا».

إن الإسلام يتركَّز - كما سمعنا - في كلمتين: ربنا الله ثم الاستقامة، فعلينا أن نربي أنفسنا على ذلك، لا أن نربيها على الانحراف يميناً ويساراً حسب أطماعنا وشهواتنا، كما قال الله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (الأنعام/153). إنَّ علينا أن ننطلق من خلال وجودنا لنفكر بوجودنا في الآخرة، هل يرضى الله عنّا أو لا يرضى؟!

یقول الإمام عليّ (عليه السلام): «لا مسلك أسلم من الاستقامة، لا سبيل أشرف من الاستقامة». وعنه (علیه السلام): «اعلموا أنّ الله تبارك وتعالى يبغض من عباده المتلوّن، فلا تزولوا عن الحقّ، وولاية أهل الحقّ، فإنّ من استبدل بنا هلك». ویقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لو صلّيتم حتى تكونوا كالحنايا وصمتم حتى تكونوا كالأوتار ثمّ كان الاثنان أحبّ إليكم من الواحد لم تبلغوا الاستقامة».

تعتبر الاستقامة الجانب التطبيقي للإيمان بالعقيدة الإسلامية، فالإيمان هو الجانب النظري ولا يصحّ إلّا باقترانه مع الاستقامة. ومعنى الاستقامة اتّباع مبادئ الدين في الحياة الدُّنيا، من قول وعمل، فيقوم المسلم بكلّ ما أمره الله تعالى، وينتهي عن كلّ ما نهى عنه. والحديث عن الاستقامة حديثٌ عن ملكة تلازم أفعال أهل الإيمان، وعن مقامٍ روحيّ لا ينحدر عنه مهما قست العروض والتحدّيات، فهي ليست فعلاً عابراً أو موقفاً في حادثة أو لحظة تجلٍّ وتجرّد مع الله، بل هي استقامة دائمة بدوام الحياة واستمرار العمل والمواجهة ضد الكفر والضلال، ومن هنا فإنّ قيمة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمّة الهدى تكمن في ثباتهم على هذا المبدأ وعدم تزلزلهم أو ضعفهم أو صدور ما ينافي الاستقامة في كافّة أعمالهم ومواقفهم وسلوكيّاتهم، رغم أنواع الابتلاءات والمحن والعذابات التي تعرّضوا لها.

وللاستقامة ثمار منها:

- وفرة الخيرات: بمعنى توفّر النعم المادية لعموم الخلق، قال تعالى: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) (الجن/ 16).

- الأمان يوم القيامة: قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (الأحقاف/ 13). والتعبير بعدم الخوف والحزن من أهم بركات يوم الفزع الأكبر. - البشرى بالجنّة: وهذا منتهى الفوز بالوعد الإلهي للذين آمنوا واستقاموا، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (فصّلت/ 30). وعن الإمام عليّ (علیه السلام): «مَن استقام فإلى الجنّة، ومَن زلَّ فإلى النّار».

- الفلاح: وهو نفس معنى البشرى بالجنّة، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن تستقيموا تفلحوا». - السلامة: أي أنّ الاستقامة ملاذ المؤمن من التعثّر والوقوع في الأخطاء، فعن الإمام عليّ (علیه السلام): «من لزم الاستقامة لزمته السلامة».

- الكرامة في الدُّنيا والآخرة: عن الإمام عليّ (علیه السلام): «عليك بمنهج الاستقامة فإنّه يكسبك الكرامة ويكفيك الملامة». - السعادة: عن الإمام عليّ (علیه السلام): «أفضل السعادة استقامة الدين». «اللّهمّ أنّا نعبدك مخلصين لك الدين، وبك نستعين للتمسّك بحبك المتين، فأهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين».

تعليقات

ارسال التعليق

Top